مجمع البحوث الاسلامية
208
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الجهاد مع اتّخاذ الحذر قبله ؛ حيث قال : خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا . والثّانية - وهي مؤخّرة - في التّرغيب إلى اتّخاذ الحذر أثناء الصّلاة في ساحة المعركة ، في آية طويلة فرّقت المصلّين إلى طائفتين : طائفة يصلّون مع النّبيّ عليه السّلام ، طائفة يقفون أمام العدوّ ، والطّائفتان تشاركان في الصّلاة ؛ إحداهما بعد الأخرى ، وقد كرّر فيها اتّخاذ الحذر مرّتين واتّخاذ الأسلحة مرّتين أيضا ، ونصّها : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً . فأمر الطّائفة الأولى بأن يأخذوا أسلحتهم في الصّلاة ، ثمّ أمر الطّائفة الأخرى منهم بأن يأخذوا فيها حذرهم وأسلحتهم معا ، ثمّ أعلمهم بحكمة هذا الأمر الأكيد بأنّ أعداءهم ودّوا لو يغفل المصلّون عن أسلحتهم وأمتعتهم فيميلوا عليهم ميلة واحدة ، ثمّ رخّص لمن كان به أذى من مطر ، أو كانوا مرضى أن يضعوا أسلحتهم ، وأمرهم بأن يأخذوا حذرهم . هذه هي صلاة الخوف في المعركة ، وفي كيفيّتها خلاف واسع . لاحظ « ص ل ي : صلاة الخوف ، ولاحظ مجمع البيان ج 3 ص 102 » . 2 - فالآية صريحة في أنّ اتّخاذ الأسلحة شيء سوى اتّخاذ الحذر ، فقد يجتمعان وقد يفترقان ، فاجتمعا في وسط الآية ، وافترقا في طرفيها ؛ حيث خصّ أوّلها بالأسلحة - على خلاف فيمن يأخذ الأسلحة أهم المصّلون ، أو الواقفون أمام العدوّ - وآخرها بالحذر . ولكن يبدو أنّ اتّخاذ الحذر عبارة عن التّهيّؤ للدّفاع باتّخاذ الأسلحة وغيرها ، فهو أعمّ من اتّخاذ الأسلحة ، ولهذا أجاز للمرضى أن يضعوا أسلحتهم لثقلها وتعبهم بحملها ، دون اتّخاذ الحذر . ومع ذلك فقد اختلفوا في معنى « الحذر » أنّه الحذر - وعليه الأكثر - أو السّلاح ، أو ما يحذر به من السّلاح وغيره . قال الماورديّ : « معناه خذوا سلاحكم ، فسمّاه حذرا ، لأنّه به يتّقى الحذر » . وقال ابن عطيّة : « احزموا واستعدّوا بأنواع الاستعداد ، فهنا يدخل أخذ السّلاح وغيره » . وقال الواحديّ - كما قال الفخر الرّازيّ - : « والحذر بمعنى الحذر كالمثل ، وتقول العرب : خذ حذرك ، أي احذر » . وقال الرّاغب : « أي ما فيه الحذر من السّلاح وغيره » . وقال الزّمخشريّ : « الحذر والحذر بمعنى كالأثر والإثر ، يقال : أخذ حذره ، إذا تيقّظ واحترز » . ونحوه أبو حيّان فقال : « ولم يسمع في هذا التّركيب إلّا خذ حذرك ، لاخذ حذرك ، أي استعدّ بأنواع ما يستعدّ به للقاء من تلقاه . . . » ، ونحوها غيرهم .